كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قالوا: حين تقارن بين النعَم وبين المصائب التي تنزل بالإنسان في دنياه تجد أن النعم كثيرة والمصائب قليلة، فنعم الله متوالية عليك في كل وقت لا تُعدُّ ولا تحصى، أمّا المصائب فربما تُعَدُّ على الأصابع.
لذلك استخدم مع النعمَ إذا الدالة على التحقيق، ومع المصيبة استخدم إن الدالة على الشك، ومن ذلك قوله تعالى: {إذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح} [النصر: 1] فاستعمل إذا لأنها تدلُّ على التحقيق وتُرجّح حدوث النصر، وقال سبحانه: {وَإنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجرْهُ} [التوبة: 6].
كما نلحظ في أسلوب الآية أنها لم تذكر السبب في إذاقة الرحمة، إنما ذكرت سبب المصيبة {بمَا قَدَّمَتْ أَيْديهمْ} [الروم: 36] ليدلَّ على عدله تعالى في إنزال المصيبة، وتفضُّله في إذاقة الرحمة؛ لأن الرحمة من الله والنعَم فضل من الله.
لكن في المصيبة قال: {بمَا قَدَّمَتْ أَيْديهمْ} [الروم: 36] فذكر العلّة حتى لا يظن أحد أن الله تعالى يُجري المصيبة على عبده ظلمًا، بل بما قدَّمَتْ يداه، فالمسألة محكومة بالعدل الإلهي.
وبين الفضل والعدل بوْن شاسع، فلو جاءك خَصْمان لتحكم بينهما تقول: أحكم بينكما بالعدل، أم بأفضل من العدل؟ يقول: وهل هناك أفضل من العدل؟ إذن: نريد العدل، لكن تنبَّه لأن العدل يعطيك حقك، والفضل يُتركك حقك.
فكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أنكم ناجون بأعمالكم، لا إنما بالتفضل عليكم: {قُلْ بفَضْل الله وَبرَحْمَته فَبذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
يعني: مهما جمعتُم من الطاعات فلن تكفيكم، ولا نجاةَ لكم إلا برحمة من الله وفضل.
فالحق- تبارك وتعالى- يريد منا أن نعرف أن رحمة الله وسعتْ كل شيء، وأنه مع ما أنعم به عليكم من نعَم لا تُعَدُّ ولا تُحصي لا يُعاقبكم إلا بشيء اقترفتموه يستحق العقاب؛ ذلك لأنه رَبٌّ رحيم حكيم.
وما دام الأمر كذلك فانظر إلى آثار رحمة ربك في الكون، وتأمل هذه النعَم، وقفْ عند دقَّة الأسلوب في قوله سبحانه: {وَإن تَعُدُّوا نعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34].
فالعَدُّ يقتضي الكثرة و{نعْمَتَ} [إبراهيم: 34] مفرد، فكيف نعدُّ يا رب؟ قالوا: نعم هي نعمة واحدة، لكن في طياتها نعَم فلو فتشتها لوجدتَ عناصر الخيرية فيها لا تُعَد ولا تُحصىَ.
لذلك لما تعرضتْ الآيات لعَدّ نعَم الله استخدمتْ إن الدالة على الشكّ؛ لأنها لا تقع تحت الحصر ولا العَدّ، لكن على فرض إنْ حاولت عدَّها فلن تُحصيها، والآن ومع تقدُّم العلوم وتخصُّص كليات بكاملها لدراسة علم الإحصاء، وخرجوا علينا بإحصاءات لأمور ولأشياء كثيرة في حياتنا، لكن لم يتعرض أحد لأنْ يُحصي نعمة الله، لماذا؟
لأن الإقبال على الإحصاء لا يكون إلا مع مظنَّة أنْ تُعدَّ وتستوعب ما تحصيه، فإنْ كان خارج نطاق استيعابك فلن تتعرض لإحصائه كما لم يتعرَّضْ أحد مثلًا لعَدّ الرمال في الصحراء؛ لذلك يُشكككم الله في أنْ تعدُّوها {وَإن تَعُدُّوا} [إبراهيم: 34] فهو أمر مُستبعد، ولن يكون.
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدرُ إنَّ في ذَلكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يُؤْمنُونَ (37)}.
يبسط: يُوسّع، ويقدر: يعني يُضيّق.
يعني: ألم يروا هذه المسألة، فواحد يُوسّع الله عليه الرزق، وآخر يُضيّق عليه، وربما صاحب السعة لم يتعب فيها، إنما جاءته من ميراث أو خلافة، وصاحب الضيق يكدّ ويتعب، ومع ذلك فعيشته كفاف، لذلك استقبل الفلاسفة هذه المسألة بما في ضمائرهم من إيمان أو إلحاد، فهذا ابن الراوندي الملحد يقول:
كَمْ عَالمٍ أعْيَتْ مَذَاهبه ** وجَاهلٍ جَاهلٍ تَلْقَاهُ مرْزُوقا

هَذَا الذي تركَ الأوهامَ حَائرةً ** وَصيَّر العَالم النَّحْرير زنْديقا

فردَّ عليه آخر ممن امتلأت قلوبهم بالإيمان:
كَمْ عَالمٍ قَدْ باتَ في عُسْرٍ ** وجَاهلٍ جاهلٍ قَدْ باتَ في يُسْر

تحيَّر الناسُ في هَذا فقُلْتُ لهم ** هَذا الذي أوجبَ الإيمان بالقدر

فالعالم لا يسير بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما بقيومية الخالق سبحانه عليه، فانظر إلى البسط لمن بسط الله له، والقبض لمن قبض الله عنه، ولا تعزل الفعل عن فاعله سبحانه، وتأمل أن الله تعالى واحد، وأن عباده عنده سواء، ومع ذلك يُوسّع على أحدهم ويُضيّق على الآخر.
إذن: لابد أن في هذه حكمة، وفي تلك حكمة أخرى، ولو تتبعتَ عواقب السعة هنا والتضييق هناك لتراءتْ لك الحكمة.
ألا ترى صاحب سعة ورزق ونعم كثيرة، ومع ذلك لم يستطع تربية أولاده؛ لأن مظاهر الترف جرفتهم إلى الانحراف، ففشلوا في حياتهم العملية، وفي المقابل نرى الفقير الذي يعيش على الكفاف يتفوق أولاده، ويأخذون أعلى المراتب؟ إذن: {يَبْسُطُ الرزق لمَن يَشَاءُ وَيَقْدرُ} [الروم: 37] وفق حكمة يعلمها سبحانه وتعالى.
وسبق أن ذكرنا أن في ألمانيا مدرستين فلسفيتين في الإلحاد، إحداهما لواحد اسمه جيبل، والأخرى لبختر أحدهما: ينكر أن يكون للعالم إله، يقول: لو كان للعالم إله حكيم ما خلق الأعمى والأعرج والأعور. الخ فالحكمة في الخَلْق تقتضي المساواة، فأخذ من الشذوذ في الخَلْق دليلًا على إلحاده.
أما الآخر فقال: ليس للكون إله، إنما يسير سَيْرًا ميكانيكيًا رتيبًا، ولو كان فيه إله لكان يخلق الخَلْق على صور مختلفة، وتكون له إرادة مطلقة عن الميكانيكا، فأخذ ثبات النظام دليلًا على إلحاده ليناقض مذهب سابقه.
إذن: المسألة عندهم رغبة في الإلحاد بأيّ شكل، وعلى أية صورة، واستخدام منهج مُعْوج يخدم القضية التي يسعون إلى إثباتها.
ونقول في الرد على الأول الذي اتخذ من الشذوذ في الكون دليلًا على عدم وجود إله حكيم: الشذوذ الذي ذكرتَ شذوذ في الأفراد الذين يُعوض بعضهم عن بعض، فواحد أعمى، وآخر أعور يقابلهم ملايين المبصرين، فوجود هذه النسبة الضئيلة لا تفسد القاعدة العامة في الخَلْق، ولا تؤثر على حركة البشر في الكون فالصحيح يعوض غير الصحيح.
أما النظام الثابت الذي يريده الثاني فعليه أن ينظر إلى الملأ الأعلى، وفي الكون الأعلى من شمس وقمر ونجوم الخ فسيرى فيه نظامًا ثابتًا لا يتغير، لأن الشذوذ في هذه المخلوقات يفسد الكون كله؛ لذلك خلقه الله على هيئة الثبات وعدم الشذوذ.
إذن: في النظام العام للكون نجد الثبات، وفي الأفراد الذين يغني الواحد منهم عن الآخر نجد الشذوذ والاختلاف، فالثبات يثبت حكمة القدرة، والشذوذ يثبت طلاقة القدرة.
فيا مَنْ تريد ثبات النظام دليلًا على الإيمان، فالثبات موجود، ويا مَنْ تريد شذوذ النظام دليلًا على الإيمان، فالشذوذ موجود، فما عليككما إلا أن تتفقا وأن ينفتح كل منكما على الآخر لتصلا إلى الصواب.
ومسألة الرزق لها فلسفة في الإسلام، فالحق سبحانه أخبرنا بأنه الرزَّاق، فمرة يرزق بالأسباب، ومرة يرزق بلا أسباب، لكن إياك أنْ تغتر بالأسباب، فقد تقدم الأسباب وتسعى ثم لا يأتيك منها رزق، ويخيب سَعْيك كالفلاح الذي يأخذ بالأسباب حتى يقارب الزرع على الاستواء فتأتيه جائحة فتهلكه، فاحذر أن تغتر بالأسباب، وانظر إلى المسبّب سبحانه.
وقلنا: ينبغي أنْ تتحرى إلى الرزق أسبابه ولا تشغلنّ بعدها بالك بأمره، فقد تكفل به خالقك الذي استدعاك للوجود، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
تَحَرَّ إلى الرزْق أَسْبابَهُ ** ولاَ تشغلنْ بعدَهَا بَالَكا

فَإنَّك تجهلُ عنوانه ** ورزْقُكَ يعرفُ عُنْوانَكا

ثم يقول سبحانه: {إنَّ في ذَلكَ لآيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمنُونَ} [الروم: 37] قال: {لقَوْمٍ يُؤمنُونَ} لأن مسألة الرزق هذه تحتاج إلى إيمان بحكمة الرازق سبحانه في الإعطاء وفي المنع.
ونلحظ على أسلوب الآية قوله تعالى في البسط: {لمَن يَشَاءُ} [الروم: 37] وفي التضييق {وَيَقْدرُ} [الروم: 37] ولم يقُلْ لمن يشاء؛ لأن البسط في نظرنا شيء محبوب نفرح له ونتمناه فقال: {لمَن يَشَاءُ} [الروم: 37] لنطمئن نحن إلى أننا سندخل في هؤلاء الذين سيُبْسط لهم في الرزق، أما في التقتير فلم يقُلْ {لمنْ} ليظل مبهمًا يستبعده كلٌّ منّا عن نفسه.
ثم يقول رب العزة سبحانه: {فَآت ذَا القربى حَقَّهُ} حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولًا البسْطَ في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكَّد بعده مباشرة على حَقّ ذي القُرْبى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على مَنْ بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى مَنْ كان في خصاصه، وضُيّق عليه رزقه، فلا ينسي هؤلاء.
لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: {ذَلكَ خَيْرٌ لّلَّذينَ يُريدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون} [الروم: 38] والجميع: مَنْ بُسط له، ومَنْ قُتر عليه يريدون وجه الله.
وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة: {إنَّمَا الصدقات للْفُقَرَاء والمساكين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبُهُمْ وَفي الرقاب والغارمين وَفي سَبيل الله وابن السبيل فَريضَةً مّنَ الله والله عَليمٌ حَكيمٌ} [التوبة: 60].
فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيرًا ما يسألون: لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئًا من زكاة مالي؟
وكنتُ أقول للسائل: والله، لو علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك؛ لأن للقريب حقًا، سواء أكنتَ غنيًا تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد النّصَاب.
إذن: لا تربط هؤلاء الثلاثة- القريب والمسكين وابن السبيل- بمسألة الزكاة، فلهم حَقٌّ حتى على الفقير الذي لا يملك نصابًا، وعلى مَنْ ضُيّقْ عليه رزقه.
ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلًا بعض الناس لا ينجب ذكورًا، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع أن البنت لها نصف التركة، وإنْ كُنَّ أكثر من واحدة فلهُنَّ الثلثان، ويُوزَّع الثلث على العم أو ابن العم؛ ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس لهن ذَكَر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم.
والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك، فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات، وليس لهُنَّ ميراث يَعُدْن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع من التغفيل.
لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟
إيَّاك- إذن- أنْ تُدخل الأقارب في الزكاة، أو تربط مساعدتهم بالقدرة؛ لأن لهم عليك حقًا حال رخائك وحال شدتك.
ويكفي أن الحق سبحانه خصَّهم بقوله: {ذَا القربى} [الروم: 38] ولم يقُلْ: ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة ذو بمعنى صاحب، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الوسع وتمكَّن منه، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخُلُق صفة ملازمة له لا تنفك عنه.
ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقًا لك لا ينفك عنك، فيجب أنْ تراعي حقَّه عليك، فتجعل له نصيبًا، حتى إنْ لم تكُنْ تملك نصابًا، وكذلك للمسكين وابن السبيل؛ لأن الله ذكرهم معًا في غير بند الزكاة، فدلَّ ذلك على أن لهم حقًا غير الزكاة الواجبة.
ونلحظ أن القرآن رتَّبهم حسب الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يومًا ولا تراه بعد ذلك، فهو حسب موضعه من الحال.
والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق فيُوسّع الله عليه، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي القربى؛ لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات.
ثم قال: {حَقَّهُ} [الروم: 38] فالحق ملازم له وهو أَوْلَى به، لذلك لم يَقُل مثلًا: وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم.
وقد مثَّلوا لذلك بقولهم: قال الأمير: يدخل عليَّ فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ذلك الباقون.
إذن: لهؤلاء الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أنْ تعطيهم من لحمك، وألاّ تربطهم بالزكاة ولا ببسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون للزكاة فلم يُلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة.
ولما حدث نقاش بين العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر؟ قالوا: المسكين مَنْ له مال، ولكن لا يكفيه، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى بقوله تعالى: {أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمَسَاكينَ يَعْمَلُونَ في البحر} [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب أَوْلَى.
وقوله تعالى: {ذَلكَ} [الروم: 38] أي: الإيفاء لهؤلاء {خَيْرٌ} [الروم: 38] كلمة خير تُطلَق في اللغة، ويُراد بها أحد معنيين: مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8]، ومرة نقول: خير ونقصد الأخْير كالأحسن أي: أفعل تفضيل، كما جاء في قول الشاعر:
زَيْدٌ خيَارُ النَّاس وابْنُ الأَخْير. لكن الشائع أن تُستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير» فخَيْر الأولى بمعنى أخير. لكن لمن؟
{لّلَّذينَ يُريدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون} [الروم: 38] أي: في الوفاء بحقّ ذي القربى والمسكين وابن السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياءً ولا سمعة؛ لأن الذي يفعل خيرًا يأخذ أجره ممَّن فعل من أجله، فمَنْ عمل لله مخلصًا فأجره على الله، ومَنْ عمل للناس رياءً وسمعةَ فليأخذ أجره منهم.
وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بقيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَاءً حتى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عندَهُ فَوَفَّاهُ حسَابَهُ والله سَريعُ الحساب} [النور: 39] أي: فوجيء بوجود إله لم يكُنْ في باله ولم يعمل من أجله.
فمعنى {يُريدُونَ وَجْهَ الله} [الروم: 38] أي: يقصدون بعملهم وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعتْ يمينه؛ لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطي أمام الناس ونيتك أنْ يتأسَّوْا بك، أو لتكُفَّ عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك.
وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصّبة للعطاء، مخصّبة للأجر؛ لأنك ستكون أُسْوة لغيرك فيعطي، ويكون لك من الأجر مثله؛ لأن مَنْ سَنَّ حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة.
والقرآن عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تُبْطلُوا صَدَقَاتكُم بالمن والأذى كالذي يُنْفقُ مَالَهُ رئَاءَ الناس وَلاَ يُؤْمنُ بالله واليوم الآخر} [البقرة: 264].